عاد ملف قانون التجنيد الإلزامي إلى واجهة الجدل السياسي في العراق، وسط انقسام بين مؤيد يرى فيه خطوة لتنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز الانضباط، ومعارض يعتبره عبئاً مالياً ثقيلاً لا يتناسب مع الظروف الاقتصادية الراهنة. ويأتي هذا الجدل في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة اعتماده الكبير على إيرادات النفط وتقلباتها.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن تطبيق قانون الخدمة الإلزامية قد يتطلب تخصيصات مالية تتجاوز 2 إلى 3 تريليونات دينار سنوياً، تشمل رواتب المجندين، تكاليف التدريب، التجهيز، والإعاشة، فضلاً عن إنشاء معسكرات جديدة وتطوير البنى التحتية العسكرية. هذه الأرقام تضع القانون ضمن المشاريع ذات الكلفة العالية التي قد تضغط بشكل مباشر على الموازنة العامة.
في هذا السياق، أكد نائب أن قانون الخدمة الإلزامية “غير جاهز” للتطبيق، مشيراً إلى أنه يحتاج إلى “ميزانيات ضخمة ومستوى عالٍ من الاستعداد اللوجستي غير المتوفر حالياً”. ويعكس هذا الطرح وجود فجوة بين النصوص التشريعية المقترحة والقدرات التنفيذية على الأرض.
من أبرز الحجج التي يطرحها الرافضون للقانون أن المؤسسة الأمنية في العراق تضم بالفعل أعداداً كبيرة من المنتسبين، تُقدّر بأكثر من مليون عنصر بين وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الساندة. ويرى مختصون أن التحدي الحالي لا يكمن في نقص الأفراد، بل في تطوير القدرات التقنية والتسليحية ورفع كفاءة التدريب.
يعتمد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على النفط، حيث تشكل عائداته أكثر من 85% من إيرادات الدولة. ومع تقلب أسعار النفط عالمياً، تصبح أي التزامات مالية إضافية طويلة الأمد، مثل التجنيد الإلزامي، مصدر قلق حقيقي قد يؤثر على قدرة الحكومة في تمويل قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والخدمات.
من جانبه، دعا نائب سابق إلى التريث في تشريع القانون، محدداً ثلاثة أسباب رئيسية، أبرزها ضرورة انتظار رؤية فنية من وزارة الدفاع، وإتاحة الوقت لنقاشات أوسع تضمن صياغة قانون متوازن وقابل للتطبيق، إضافة إلى أهمية وجود آليات تنفيذ واضحة لتجنب التعقيدات المستقبلية.
في مقابل الدعوات لتشريع القانون، يرى مراقبون أن الأولوية يجب أن تتجه نحو استثمار الموارد المالية في مجالات أكثر إلحاحاً، مثل تطوير منظومات الدفاع الجوي، وتحديث المعدات العسكرية، وتعزيز القدرات الاستخبارية، وهي خطوات قد تحقق كفاءة أعلى بتكلفة أقل مقارنة بتوسيع عدد الأفراد.
في ظل التحديات الاقتصادية التي يمر بها العراق، يبدو أن تمرير قانون التجنيد الإلزامي في الوقت الحالي يواجه عقبات مالية ولوجستية وسياسية. وبين الحاجة إلى تطوير المؤسسة العسكرية والحفاظ على استقرار الموازنة، يبقى القرار مرهوناً بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الأمن والاقتصاد.