يبقى العراق خارج دائرة الصدام المباشر بين واشنطن وطهران، حيث تعتمد السياسة الأمريكية على "الحد الأدنى" لإدارة النفوذ الإيراني، مع التركيز على ضبط الملفات الأمنية والسياسية دون تصعيد مباشر.
تعتبر الولايات المتحدة العراق حليفاً استراتيجياً، رغم إدراكها لوجود قوى وشخصيات عراقية ترفض الاتفاق الاستراتيجي معها وتدفع نحو تعميق العلاقة مع إيران.
تشير التقارير إلى أن المشكلة الحقيقية للولايات المتحدة ليست مع العراقيين، بل مع الجانب الإيراني، ولذلك فإن الحديث عن تجنب الصدام مع النفوذ الإيراني يتعلق أكثر بتفكيك هذا النفوذ تدريجياً داخل الساحة العراقية. تسعى واشنطن للحفاظ على هوية العراق المستقلة، والعمل على الفصل بينه وبين طهران.
لا يقتصر النفوذ الإيراني في العراق على الوجود الدبلوماسي العلني، بل يتمثل بشكل أساسي في عراقيين موالين أو قريبين من إيران، يمثلون هذا النفوذ بصورة غير مباشرة. إن التشابك التاريخي بين قوى عراقية وإيران يجعل أي مواجهة مباشرة مع النفوذ الإيراني داخل العراق ذات كلفة عالية، سواء من الناحية الأمنية أو السياسية أو الاجتماعية، مما يدفع واشنطن إلى اعتماد أدوات أهدأ تعتمد على الاحتواء والضغط غير المباشر.
تدرك الولايات المتحدة أن تفكيك هذا النفوذ يتطلب وقتًا طويلًا وإعادة ترتيب داخلية عراقية، أكثر من الحاجة إلى ضربات عسكرية أو قرارات صدامية، وهو ما يفسر استمرارها في دعم الحكومات العراقية المتعاقبة رغم وجود خلافات عميقة حول ملفات مهمة مثل سلاح الميليشيات وتهريب الدولار وتفشي الفساد المالي والإداري.
تتعامل الولايات المتحدة مع العراق كونه ساحة حساسة لا تحتمل قرارات حادة، ولذلك تفضل التدخل السياسي المباشر عندما تلاحظ أن ميزان القوى قد يختل، بدلاً من اللجوء إلى الأدوات العسكرية.
تجلى هذا السلوك عندما أعلن الإطار التنسيقي ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، والذي جاء بمباركة إيرانية، حيث بعثت واشنطن برسائل صريحة عبرت فيها عن رفضها لإعادة إنتاج معادلات تعمق النفوذ الإيراني وتضعف استقرار النظام السياسي.
هذا السلوك يؤكد أن واشنطن لا تتخلى عن نفوذها في العراق، لكنها تمارسه بأدوات مختلفة تركز على السياسة والاقتصاد والضغط الدبلوماسي، بدلاً من الذهاب إلى صدام أمني مفتوح قد ترتد نتائجه سلباً.