مع تولي رئيس الوزراء علي الزيدي مهامه، تصاعدت الأصوات السياسية والاجتماعية المطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة أزمة المياه التي يعاني منها العراق منذ سنوات. تعود أسباب هذه الأزمة إلى السياسة المائية التركية، التي أدت إلى تقليص الحصص المائية الواصلة إلى العراق بأكثر من 40%، مما تسبب في تداعيات خطيرة في ظل موجة الحرارة الشديدة التي تضرب البلاد.
خلال العقود الأربعة الماضية، شهدت الإمدادات المائية للعراق تراجعًا حادًا، إذ انخفضت إمدادات نهري دجلة والفرات، اللذين يغذيان نحو 98% من المياه السطحية في البلاد، بنسبة تتراوح بين 30% و40%. ويعاني العراق حاليًا من عجز في الحصول على أكثر من 40% من حصته المائية التاريخية.
تعود أسباب هذا الانخفاض إلى تحكم تركيا في الإطلاقات المائية من خلال مشروع جنوب شرق الأناضول، الذي يضم 22 سداً و19 محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية. وقد تمكنت أنقرة من احتجاز حوالي 80 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يعادل ثمانية أضعاف السعة الخزنية القصوى لسد الموصل.
تجلى هذا التراجع في معدلات تدفق الأنهار، حيث يحتاج نهر دجلة إلى تدفق لا يقل عن 450 مترًا مكعبًا في الثانية، بينما لا تتجاوز الإطلاقات الواصلة إلى العراق خلال فترات الشح 200 متر مكعب في الثانية. كما يتطلب نهر الفرات تدفقًا بحجم 350 مترًا مكعبًا في الثانية، بينما تتراجع الإطلاقات الواصلة إليه إلى نحو 151 مترًا مكعبًا في الثانية.
هذا التراجع في الإيرادات المائية أدى إلى تفاقم أزمة الجفاف التي تعد من أشد الأزمات التي شهدها العراق منذ نحو 90 عامًا، حيث صنفت الأمم المتحدة العراق كأحد أكثر الدول تأثراً بالتغير المناخي وأزمات المياه والغذاء.
أدى الجفاف وتملح التربة إلى خروج نحو 50% من الأراضي الزراعية في وسط وجنوب البلاد عن الخدمة، مما هدد مصادر رزق واستقرار نحو خمسة ملايين مواطن، خاصة في مناطق الأهوار والمحافظات الجنوبية. ورغم ارتفاع الخزين المائي في السدود إلى نحو 34 مليار متر مكعب نتيجة الأمطار الأخيرة، إلا أن العجز الهيكلي ما زال قائمًا، حيث تبقى الإيرادات المائية أقل بنحو 30% مقارنة بمعدلاتها الطبيعية.
وقد أكد النائب قصي الجوراني أن العراق يواجه أزمة مائية متفاقمة نتيجة انخفاض الإيرادات المائية، داعيًا إلى إعطاء هذا الملف أولوية في المباحثات مع الجانب التركي.
على صعيد آخر، يستعد العراق لإرسال وفد تفاوضي إلى تركيا خلال شهر آب/أغسطس المقبل لبحث ملف المياه وحصة العراق المائية، حيث يضم الوفد ممثلين عن وزارات الموارد المائية والزراعة والبيئة، بالإضافة إلى عدد من الأكاديميين والمختصين.
يشدد المختصون على ضرورة استثمار أوراق الضغط المتاحة في ملف المياه، بما في ذلك مشروع "طريق التنمية"، وضرورة فتح مسارات تفاوض مع الجانب التركي لضمان حصول العراق على حصته المائية.
تظل أزمة المياه في العراق قضية أمن قومي وبيئي وإنساني، حيث تهدد الأمن الغذائي في بلد يعتمد على الري في إنتاج نحو 70% من محاصيله الزراعية. مع استمرار تراجع الحصص المائية، يبقى نجاح الحكومة في تأمين حقوق العراق المائية من خلال التفاوض عاملاً حاسمًا لتجنب أزمة تهدد الأمن المائي والغذائي واستقرار البلاد.