تتجه الأنظار في العراق إلى الفصل التشريعي المقبل، الذي يُتوقع أن يشهد حراكاً واسعاً لإقرار مجموعة من القوانين المؤجلة والجدلية، وسط ضغوط سياسية وشعبية تدفع باتجاه حسم ملفات طال انتظارها، تتعلق بالنفط والغاز، والتقاعد، والأمن، والمرور، والحشد الشعبي، فضلاً عن التحول الرقمي والإصلاح الإداري.
ومع اقتراب انطلاق عمل الحكومة الجديدة بكامل صلاحياتها التنفيذية، تبدو السلطة التشريعية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تمرير القوانين الأكثر حساسية، والتي تمس بشكل مباشر حياة المواطنين والعلاقة بين بغداد وأربيل، إلى جانب إعادة هيكلة عدد من المؤسسات الأمنية والإدارية.
في مقدمة القوانين المرتقبة، يبرز قانون النفط والغاز بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً منذ عام 2003، بسبب الخلافات المستمرة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان بشأن إدارة الثروات النفطية وآليات التصدير والتوزيع المالي. وقد أكدت عضو اللجنة القانونية النيابية وجود تحرك جاد بين الحكومة واللجان النيابية المختصة لإعداد الصيغة النهائية للقانون.
ويرى مختصون أن إقرار هذا القانون قد يمثل نقطة تحول في العلاقة بين بغداد وأربيل، خصوصاً أنه سيحدد بشكل واضح صلاحيات إدارة الحقول النفطية وآليات التصدير وتقاسم الإيرادات، فضلاً عن إنهاء النزاعات القانونية والمالية التي ألقت بظلالها على الموازنات العامة لسنوات طويلة.
كما يُنتظر أن يسهم القانون في جذب الاستثمارات الأجنبية لقطاع الطاقة، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للشركات العاملة في مجال النفط والغاز، في ظل حاجة العراق إلى تنويع موارده المالية وتحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد.
ومن بين القوانين التي تحظى بمتابعة شعبية واسعة، تأتي التعديلات المرتقبة على قانون تقاعد وانضباط موظفي الدولة، إضافة إلى حسم الجدل المرتبط بالسن القانونية للتقاعد. وتسعى الحكومة والبرلمان إلى إجراء تعديلات توازن بين الحفاظ على حقوق الموظفين وتقليل الضغط المالي على الموازنة العامة، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في أعداد الموظفين والمتقاعدين خلال السنوات الأخيرة.
ويرى مراقبون أن أي تعديل في سن التقاعد ستكون له انعكاسات مباشرة على سوق العمل وفرص التعيين الجديدة، في وقت يطالب فيه آلاف الخريجين بفتح باب التوظيف وتقليل معدلات البطالة.
في الجانب الأمني والخدمي، كشف عضو لجنة الأمن والدفاع عن تشكيل لجنة متخصصة لمراجعة عدد من القوانين الأمنية، وفي مقدمتها قانون الأمن الوطني وقانون المرور. ويأتي التحرك النيابي بعد تصاعد شكاوى المواطنين من ارتفاع الغرامات المرورية، حيث تتجه اللجنة إلى إعادة النظر بآلية فرض الغرامات وقيمتها، بما يخفف الأعباء المالية عن المواطنين.
ويرى مختصون أن تعديل قانون المرور لا يتعلق فقط بالغرامات، بل يحتاج إلى إعادة صياغة شاملة تشمل البنية التحتية للطرق، وتطوير أنظمة المراقبة الإلكترونية، وتنظيم حركة السير في المدن المزدحمة.
كما باشرت اللجنة النيابية المختصة بمراجعة قانون الأمن الوطني وقانون قوى الأمن الداخلي، في إطار توجه لإعادة تنظيم عمل المؤسسات الأمنية ورفع كفاءتها الإدارية والتنظيمية. ويؤكد نواب أن التعديلات المرتقبة ستأخذ بعين الاعتبار التطورات الأمنية والتحديات الجديدة، خصوصاً ما يتعلق بمكافحة الجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية وحماية الأمن الداخلي.
بالتوازي مع التحركات التشريعية، عاد ملف الأتمتة الحكومية إلى الواجهة بوصفه أحد أهم المشاريع التي تعوّل عليها الحكومة المقبلة لمكافحة الفساد وتقليل الهدر المالي والإداري. ويعتبر التحول الرقمي ضرورة ملحة لمؤسسات الدولة، حيث يمكن أن يحد من الروتين والفساد والابتزاز الإداري، فضلاً عن تسريع الخدمات وتقليل الإنفاق الحكومي.
ورغم الزخم التشريعي المرتقب، فإن تمرير هذه القوانين لن يكون سهلاً، إذ تواجه بعض التشريعات خلافات سياسية ومصالح متشابكة بين القوى المختلفة، فضلاً عن الحاجة إلى توافقات واسعة داخل البرلمان. كما أن بعض القوانين، خصوصاً المتعلقة بالتقاعد والأمن والخدمات، تحتاج إلى غطاء مالي واضح في ظل التحديات الاقتصادية وتقلبات أسعار النفط.