كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في Cleveland Clinic عن دور غير متوقع للهرمونات الذكورية، وعلى رأسها التستوستيرون، في إبطاء نمو ورم الأرومة الدبقية، وهو أحد أخطر أنواع أورام الدماغ. أظهرت نتائج الدراسة أن انخفاض مستويات هرمونات الأندروجين قد يسرّع نمو الورم، خلافا للاعتقاد السائد سابقا بأن هذه الهرمونات تساهم في تفاقم السرطان. اعتمد الباحثون على تجارب ما قبل سريرية وتحليل بيانات أكثر من 1300 رجل مصاب بورم الأرومة الدبقية. وبينت النتائج أن المرضى الذين تلقوا مكملات التستوستيرون لأسباب صحية أخرى حققوا معدلات بقاء أفضل، مع انخفاض خطر الوفاة لديهم بنسبة 38% مقارنة بغيرهم.
نشرت الدراسة في مجلة Nature، حيث اعتبر الباحثون أن نتائجها قد تمهد لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة لهذا النوع من السرطان، الذي يصيب الرجال بمعدلات أعلى من النساء. وصرح الدكتور Anthony Letai أن النتائج تمثل "مفاجأة إيجابية" وقد تسهم في تحسين علاجات سرطان الدماغ وزيادة فعاليتها. ركزت الدراسة على فهم تأثير الأندروجينات داخل البيئة المعقدة للدماغ، وهي زاوية لم تحظ باهتمام واسع في الأبحاث السابقة.
كان الاعتقاد السائد أن ارتفاع نسب الإصابة لدى الرجال مرتبط بدور محفز للهرمونات الذكورية في نمو الأورام، لكن النتائج الجديدة تشير إلى عكس ذلك. أوضح الدكتور Justin Lathia، الباحث الرئيسي للدراسة، أن الدماغ يمتلك نظام حماية شديد الحساسية يمنع دخول العديد من الخلايا والعوامل القادمة من بقية الجسم، بما في ذلك الخلايا المناعية.
خلال التجارب التي أُجريت على الفئران، لاحظ الباحثون أن خفض مستويات الأندروجينات تسبب في اضطراب نظام الاستجابة للتوتر المعروف بمحور الوطاء–النخامة–الكظر (HPA)، ما أدى إلى ارتفاع هرمونات التوتر وحدوث التهابات في مناطق محددة من الدماغ. أشارت النتائج إلى أن هذه التغيرات عززت عزل الدماغ عن الجهاز المناعي، وخلقت بيئة مثبطة للمناعة داخل الدماغ، مما قلل من قدرة الخلايا المناعية على الوصول إلى الورم ومهاجمته، ما ساهم في تسارع نمو الأورام.
كما أظهرت النتائج أن تأثير التستوستيرون لم يتكرر بنفس الطريقة لدى إناث الفئران، مما يشير إلى وجود اختلافات بيولوجية مرتبطة بالجنس في آلية تطور المرض. ورغم أن الدراسة لا تؤكد بشكل قاطع أن التستوستيرون يحمي من سرطان الدماغ، فإن الباحثين أكدوا أن النتائج تستدعي إجراء مزيد من التجارب السريرية على البشر للتحقق من هذه العلاقة.
يعتزم الفريق البحثي دراسة تأثير العلاجات التي تعتمد على خفض الأندروجينات، المستخدمة حاليا في أنواع أخرى من السرطان، لمعرفة ما إذا كانت قد تؤدي إلى نتائج عكسية لدى مرضى ورم الأرومة الدبقية. وأكد لاثيا أن المرحلة المقبلة من البحث ستركز على تقييم تأثير "حرمان الأندروجين" على مرضى هذا الورم، وسط مخاوف من أن يسهم هذا النهج العلاجي في تسريع تطور سرطان الدماغ بدلا من الحد منه.