طور باحثون تقنية مبتكرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لفحص خلايا الثدي بشكل فردي، وقياس ما أطلقوا عليه "العمر الميكانيكي" للخلايا، كمؤشر جديد يساعد في التنبؤ بخطر الإصابة بسرطان الثدي قبل ظهور أي أعراض. ووفقاً لدراسة نشرت في دورية eBioMedicine، فإن سلوك الخلايا تحت الضغط الميكانيكي قد يحمل إشارات مبكرة تكشف احتمالات الإصابة بالمرض، ما يمثل نقلة نوعية في أساليب التقييم المبكر للمخاطر.
على الرغم من انتشار سرطان الثدي كأحد أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء، لا تزال أدوات التنبؤ بالإصابة محدودة. إذ تشير البيانات إلى أن نحو 6% فقط من الحالات ترتبط بطفرات جينية معروفة، بينما تفتقر الغالبية العظمى لمؤشرات وراثية واضحة، ما يجعل التقييم يعتمد على نماذج عامة قد لا تكون دقيقة دائماً.
بدلاً من التركيز على الجينات أو الصور الشعاعية، اعتمد الباحثون على دراسة الخصائص الفيزيائية للخلايا. وتم تطوير منصة تستخدم تقنيات الموائع الدقيقة لتمرير خلايا الثدي عبر قنوات ضيقة، ما يعرضها لضغط يشبه "العصر". وخلال هذه العملية، يتم قياس مدى تشوه الخلايا وسرعة عودتها إلى شكلها الطبيعي، عبر إشارات كهربائية دقيقة، ثم تُحلل البيانات باستخدام خوارزميات تعلم آلي لتقييم سلوك كل خلية على حدة.
أظهرت النتائج أن للخلايا "عمراً ميكانيكياً" مستقلاً عن عمر الإنسان، يعكس قدرتها على التعامل مع الضغط. فكلما زادت صلابة الخلايا وبطؤها في التعافي، دلّ ذلك على تقدم هذا العمر، وهو ما يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بسرطان الثدي. واللافت أن بعض النساء الأصغر سناً أظهرت خلاياهن خصائص "متقدمة"، ليتبين لاحقاً أنهن يحملن طفرات جينية تزيد من خطر الإصابة، ما يعزز موثوقية هذا المؤشر الجديد.
تمكن النظام، بعد تطويره، من التمييز بين النساء الأكثر عرضة للخطر وأخريات لا تظهر لديهن مؤشرات واضحة، عبر تحليل عينات من مجموعات متنوعة، بما في ذلك نساء لديهن تاريخ عائلي للمرض. كما يتميز الجهاز المستخدم ببساطة مكوناته وانخفاض تكلفته نسبياً، إذ يعتمد على رقائق إلكترونية قابلة للتصنيع بسهولة، ما قد يفتح المجال لاستخدامه على نطاق واسع مستقبلاً.
تكمن أهمية هذه التقنية في قدرتها على رصد التغيرات التي تسبق ظهور الأورام، على عكس وسائل الفحص التقليدية التي تكتشف المرض بعد تطوره. وقد يتيح ذلك اتخاذ إجراءات وقائية مبكرة، مثل تكثيف الفحوصات أو تعديل نمط الحياة. ورغم النتائج المشجعة، يؤكد الباحثون أن التقنية لا تزال في مراحلها البحثية، وتحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل اعتمادها كأداة سريرية روتينية، مع ضرورة تقييم تكلفتها وسهولة استخدامها ودقة نتائجها على نطاق أوسع.