نازك الملائكة: رائدة في الشعر العربي ومخاوف من إرثها
في بيت بغدادي يفيض بالكتب والقصائد، أسست فتاة في العاشرة من عمرها مع شقيقاتها ما أسمته "جمعية ضد الزواج"، تعبيرًا عن تمردها على القدر الاجتماعي المفروض على النساء. لم تكن تعلم أن هذه الفتاة الخجولة ستطلق ثورة في الشعر العربي، لتقضي ما تبقى من حياتها تحرس حدودها وتخشى من يتجاوزها.\n\nوُلدت نازك عام 1923 في بغداد لعائلة غير عادية؛ والدها، صادق الملائكة، كان شاعرًا ومحققًا لغويًا، وقد أتاح لها مكتبته منذ صغرها، بينما كانت والدتها، سلمى عبد الرزاق، كاتبة نشرت تحت اسم مستعار في زمن كان النشر فيه صعبًا على النساء. نشأت نازك بين الكتب، حيث كانت تميل إلى القراءة والعزف على العود، مما شكل شخصيتها الأدبية.\n\nالتحقت بدار المعلمين العالية في بغداد ثم انتقلت إلى جامعة ويسكونسن-ماديسون لدراسة الأدب المقارن، حيث تعرفت على تيارات الأدب العالمي. في عام 1947، كتبت قصيدة "الكوليرا" التي تعدّ نقطة تحول في الشعر العربي، حيث تجاوزت العمود الشعري الكلاسيكي، مما جعلها من أوائل المحاولات لتأسيس الشعر الحر.\n\nومع أن الدراسات الحديثة لا تميل إلى تتويج فرد واحد، فإن نازك كانت أكثر نظامية في تنظيرها للشكل الشعري، بينما كان بدر شاكر السياب يميل إلى المغامرة في استخدام اللغة. ومع ذلك، كان هناك تناقض في سيرة نازك، حيث تحولت مع الوقت من رائدة تجريب إلى حارسة للبوابة الشعرية، مؤمنة بضرورة التجديد لكنها خافت من الفوضى.\n\nتزوجت نازك من زميلها الأكاديمي الدكتور عبد الهادي محبوبة، الذي أصبح رئيس جامعة البصرة، مما أدى إلى انهيار الجمعية التي أسستها. في السنوات الأخيرة من حياتها، اختارت العزلة في القاهرة، حيث عاشت بعيدًا عن الأضواء حتى وفاتها عام 2007. كانت دائرتها الاجتماعية ضيقة، تضم زوجها وقلة من الأدباء.\n\nمن أبرز أعمالها مجموعة من الدواوين الشعرية منها "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد"، بالإضافة إلى كتب نقدية مثل "قضايا الشعر المعاصر". رحلت نازك بهدوء، ولكن شعرها لا يزال محفوظًا ويقرأ، حيث تركت وراءها سؤالًا عميقًا حول الهوية والإبداع، مما جعل إرثها حيًا بعد رحيلها.
2026-03-13 16:15:26 - مدنيون