بحيرة الحبانية: من خزان استراتيجي إلى مؤشر للأزمة المائية
تقع بحيرة الحبانية في محافظة الأنبار غرب العراق، وتُعتبر من أكبر المسطحات المائية الصناعية في البلاد، حيث أُنشئت عام 1956 بهدف تخزين مياه نهر الفرات والسيطرة على الفيضانات. على مدى العقود، تحولت البحيرة إلى رافد أساسي للزراعة والصناعة ومتنفس سياحي لساكني الأنبار وبغداد والمحافظات المجاورة.\n\nتمتد البحيرة على مساحة تقارب 426 كيلومترًا مربعًا، وبسعة تصميمية تبلغ نحو 3.3 مليار متر مكعب، مما جعلها ركيزة في منظومة الأمن المائي العراقي. إلا أن دورها بات اليوم مهددًا مع تراجع منسوبها إلى مستويات مقلقة.\n\nشهدت بحيرة الحبانية في السنوات الأخيرة انخفاضًا كبيرًا في مخزونها المائي، حيث تراجع حجم المياه إلى نحو 500 مليون متر مكعب فقط. ويعزو مسؤولون محليون هذا التدهور إلى تراجع الإطلاقات المائية من دول المنبع، ولا سيما تركيا وسوريا، بالإضافة إلى موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.\n\nوأشار مدير الموارد المائية في الأنبار، جمال عودة سمير، في تصريحات صحفية إلى أن انخفاض الإطلاقات المائية دفع السلطات إلى استخدام جزء من مخزون البحيرة لدعم احتياجات المحافظات الوسطى والجنوبية، مما سرّع من تراجع منسوبها.\n\nامتد تأثير الجفاف إلى القطاعات المرتبطة بالبحيرة، حيث تضررت الأراضي الزراعية المحيطة نتيجة انخفاض المياه المخصصة للري، مما أدى إلى تقلص المساحات المزروعة وزيادة الأعباء على المزارعين. كما شهدت المدينة السياحية المحيطة بالبحيرة ركودًا، حيث تراجعت أعداد المصطافين بشكل ملحوظ في عام 2023 بسبب انحسار المياه وغياب الأنشطة الترفيهية.\n\nأحد أصحاب المتاجر في المنطقة السياحية أكد أن الحركة التجارية تراجعت بشدة مع انحسار المياه، مشيرًا إلى أن عودة البحيرة إلى مستوياتها الطبيعية كفيلة بإعادة النشاط الاقتصادي إلى المنطقة.\n\nتحولت بحيرة الحبانية من خزان استراتيجي إلى مؤشر واضح على عمق الأزمة المائية في العراق. ويرى خبراء أن ما يحدث ليس نتاج عامل واحد، بل مزيج من التغير المناخي، وتراجع الإطلاقات المائية من دول الجوار، إلى جانب تحديات داخلية تتعلق بإدارة الموارد المائية وكفاءة استخدامها.\n\nيطالب سكان المنطقة والسلطات المحلية بخطوات عاجلة لحماية البحيرة من مزيد من التدهور، عبر تحرك دبلوماسي لتعزيز التعاون الإقليمي بشأن حصص المياه، وتطبيق سياسات وطنية أكثر صرامة لترشيد الاستهلاك وتقليل الهدر. لم تعد بحيرة الحبانية مجرد موقع جغرافي أو مقصد سياحي، بل أصبحت مرآة لأزمة مائية أوسع تهدد مستقبل الأمن الغذائي والاقتصادي في العراق، مما يفرض على الدولة إعادة النظر في استراتيجياتها المائية قبل أن يتحول الانحسار إلى واقع دائم.
2026-02-18 18:30:26 - مدنيون