شهدت الساحة العراقية خلال عامي 2024 و2025 تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة التظاهرات الشعبية، حيث شملت 17 محافظة. يعكس هذا الاتساع عمق الأزمات المزمنة التي يواجهها العراق، بما في ذلك تردي الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة، وسوء إدارة الملف الاقتصادي، واستمرار الفساد دون حلول حقيقية من الحكومات المتعاقبة، مما أدى إلى زيادة الاحتقان والغضب الشعبي.
على الصعيد السياسي، حملت التظاهرات الأخيرة تحولات واضحة في طبيعة مطالبها. فمنذ عام 2003، كانت أغلب موجات الاحتجاج تتركز على قضايا سياسية تتعلق بالنظام السياسي وآليات العملية الانتخابية. وقد تجسّد الانفجار الأكبر لهذه المطالب في احتجاجات تشرين 2019، التي أدت إلى استقالة رئيس الوزراء آنذاك وإجراء انتخابات مبكرة.
منذ عام 2024، عكست الاحتجاجات تغيرًا كبيرًا، إذ ركزت على تحسين الخدمات العامة مثل الكهرباء والمياه وتوفير فرص العمل. وقد استجابت الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، التي سعت إلى تقديم نفسها كـ "حكومة إنجاز خدمي" تهتم بمتطلبات المواطن المعيشية، محاولةً امتصاص الغضب الشعبي عبر التركيز على الملفات الخدمية.
برزت تساؤلات حول أسباب تحول مسار الاحتجاجات من المطالب السياسية إلى الخدمية. وتمحورت حول استمرار تردي الأوضاع الخدمية وضغط الأزمات اليومية على المواطن العراقي، الذي وجد نفسه مضطرًا للمطالبة بتحسين الخدمات والتعيينات، أو فقدان الثقة في جدوى التغيير السياسي.
جُمعت البيانات المتعلقة بالتظاهرات وحُللت بواسطة فريق صحافة البيانات، معتمدين على تقنيات الرصد الميداني لتوثيق الأحداث وتحليلها.
أظهرت البيانات أن بغداد والبصرة والنجف وبابل كانت من بين المحافظات الأكثر احتجاجًا، حيث تنوعت المطالب بين الاقتصادية والخدمية.
في العام 2024، سجل إجمالي المظاهرات 118 حالة، بينما في العام 2025 ارتفع العدد إلى 216 تظاهرة، مما يشير إلى نشاط ملحوظ في الاحتجاجات.
توزعت المطالب بين الحقوق والخدمات الأساسية والبطالة، حيث شكلت كل فئة نسبة ملحوظة من إجمالي التظاهرات. يعكس هذا التوزيع تزايد المطالب الاقتصادية والاجتماعية، مما يشير إلى فشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق الاستقرار.
تظل التساؤلات قائمة حول قدرة السلطات العراقية على تحويل هذه الاحتجاجات إلى حوارات منتجة، أو ما إذا كانت ستظل شرارة لأزمة أكبر في بلدٍ يعيد إنتاج أزماته رغم توفر الموارد.